محمد بن جرير الطبري
321
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
ومن ذلك أيضا " خِمار المرأة " ، وذلك لأنها تستر [ به ] رأسها فتغطيه . ومنه يقال : " هو يمشي لك الخمَر " ، أي مستخفيًا ، كما قال العجاج : فِي لامِعِ العِقْبَانِ لا يَأتي الْخَمَرْ . . . يُوَجِّهُ الأرْضَ وَيَسْتَاقُ الشَّجَرْ ( 1 ) ويعني بقوله : " لا يأتي الخمر " ، لا يأتي مستخفيًا ولا مُسارَقةً ، ولكن ظاهرًا برايات وجيوش . و " العقبان " جمع " عُقاب " ، وهي الرايات . * * * وأما " الميسر " فإنها " المفعل " من قول القائل : " يسَرَ لي هذا الأمر " ، إذا وجب لي " فهو يَيْسِر لي يَسَرًا وَميسِرًا " ( 2 ) و " الياسر " الواجب ، بقداح وَجب ذلك ، أو فُتاحة أو غير ذلك . ( 3 ) ثم قيل للمقامر ، " ياسرٌ ويَسَر " ، كما قال الشاعر : فَبِتُّ كَأَنَّنِي يَسَرٌ غَبِينٌ . . . يُقَلِّبُ ، بَعْدَ مَا اخْتُلِعَ ، القِدَاحَا ( 4 ) وكما قال النابغة : ( 5 )
--> ( 1 ) ديوانه : 17 ، من قصيدة يذكر فيها فتوح عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي ، سلف منها بيتان في 2 : 157 . واقرأ التعليق هناك رقم : 2 . ولمعت الرايات : خفقت . وقوله : " يوجه الأرض " يعني جيش عمر ، أي يقشر وجهها من شدة وطئه وكثرته وسرعة سيره ، يشبهه بالسيل . يقال : " وجه المطر الأرض " ، قشر وجهها وأثر فيه . وقوله : " يستاق الشجر " ، يقول : جيشه كالسيل المنفجر المتدافع يقشر الأرض ، ويختلع شجرها ، ويسوقه . ( 2 ) هذا المعنى لم أصبه في كتب اللغة ، وأنا أظنه مجازًا من " الميسر " ، لا أصلا في اشتقاق الميسر منه ، لأن حظ صاحب الميسر واجب الأداء إذا خرج قدحه . ( 3 ) في المطبوعة : " أو مباحه " ، ولا معنى لها ، وكأن الصواب ما أثبت . والفتاحة ( بضم الفاء ) : الحكم بين الخصمين يختصمان إليك . ( 4 ) لم أعرف قائله . والغبين والمغبون : الخاسر . واختلع ( بالبناء للمجهول ) : أي قمر ماله وخسره ، فاختلع منه ، أي انتزع . والمخالع المقامر ، والمخلوع : المقمور ماله . يقول : إنه بات ليلته حزينًا كاسفًا مطرقًا ، إطراق المقامر الذي خسر كل شيء ، فأخذ يقلب في كفيه قداحه مطرقًا متحسرا على ما أصابه ونكبه . ( 5 ) لم أجد البيت في شعر النابغة الذبياني ، ولست أدري أهو لغيره من النوابغ ، أم هو لغيرهم .